ابن رشد

302

تهافت التهافت

صورة الإنسان يمكن أن تحل في التراب من غير هذه الوسائط التي تشاهد ، والفلاسفة يدفعون هذا ويقولون : لو كان هذا ممكنا لكانت الحكمة في أن يخلق الإنسان دون هذه الوسائط ، ولكان خالقه بهذه الصفة هو أحسن الخالقين وأقدرهم . وكل واحد من الفريقين يدعي أن ما يقوله معروف بنفسه وليس عند واحد منهم دليل على مذهبه وأنت فاستفت قلبك فما أنبأك فهو فرضك الذي يجب اعتقاده ، وهو الذي كلفت إياه واللّه يجعلنا وإياك من أهل الحقيقة واليقين . وقد ذهب بعض الإسلاميين إلى أن اللّه تعالى يوصف بالقدرة على اجتماع المتقابلين ، وشبهتهم أن قضاء العقل منا بامتناع ذلك إنما هو شيء طبع عليه العقل ، فلو طبع طبعا يقضي بإمكان ذلك لما أنكر ذلك ولجوزه ، وهؤلاء يلزمهم ألا يكون للعقل طبيعة محصلة ولا للموجودات ولا يكون الصدق الموجود فيه تابعا لوجود الموجودات . فأما المتكلمون فاستحيوا من هذا القبول ، ولو ركبوه لكان أحفظ لوضعهم من الإبطالات الواردة عليهم في هذا الباب من خصومهم ، لأنهم يطلبون بالفرق بين ما أثبتوا من هذا الجنس وبين ما نفوه فيعسر عليهم بل لا يجدون إلا أقاويل مموهة . ولذلك نجد من حذق في صناعة الكلام قد لجأ أن ينكر الضرورة التي بين الشرط والمشروط وبين الشيء وحده ، وبين الشيء وعلته ، وبين الشيء ودليله وهذا كله تبحّر في رأي السفسطانيين فلا معنى له . والذي فعل هذا من المتكلمين هو أبو المعالي . والقول الكلي الذي يحل هذه الشكوك : إن الموجودات تنقسم : إلى متقابلات ، وإلى متناسبات . فلو جاز أن تفترق المتناسبات ، لجاز أن تجتمع المتقابلات ، لكن لا تجتمع المتقابلات فلا تفترق المتناسبات . هذه هي حكمة اللّه تعالى في الموجودات وسنته في المصنوعات وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا . وبإدراك هذه الحكمة كان العقل عقلا في الإنسان ووجودها هكذا في العقل الأزلي كان علة وجودها في الموجودات ، ولذلك العقل ليس بجائز فيمكن أن يخلق على صفات مختلفة كما توهم ذلك ابن حزم .